الشوكاني
152
فتح القدير
في الأرض علامات برعيها ( ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ) قرأ أبو بكر عن عاصم " ننبت " بالنون ، وقرأ الباقون بالياء التحتية : أي ينبت الله لكم بذلك الماء الذي أنزله من السماء ، وقدم الزرع لأنه أصل الأغذية التي يعيش بها الناس . وأتبعه بالزيتون لكونه فاكهة من وجه وإداما من وجه لكثرة ما فيه من الدهن ، وهو جمع زيتونة ، ويقال للشجرة نفسها زيتونة ، ثم ذكر النخيل لكونه غذاء وفاكهة وهو مع العنب أشرف الفواكه ، وجمع الأعناب لاشتمالها على الأصناف المختلفة ، ثم أشار إلى سائر الثمرات فقال ( ومن كل الثمرات ) كما أجمل الحيوانات التي لم يذكرها فيما سبق بقوله - ويخلق مالا تعلمون - ، وقرأ أبى ابن كعب " ينبت لكم به الزرع " يرفع الزرع وما بعده ( إن في ذلك ) أي الإنزال والإنبات ( لآية ) عظيمة دالة على كمال القدرة والتفرد بالربوبية ( لقوم يتفكرون ) في مخلوقات الله ولا يهملون النظر في مصنوعاته ( وسخر لكم الليل والنهار ) معنى تسخيرهما للناس تصييرهما نافعين لهم بحسب ما تقتضيه مصالحهم وتستدعيه حاجاتهم ، يتعاقبان دائما كالعبد الطائع لسيده لا يخالف ما يأمره به ولا يخرج عن إرادته ولا يهمل السعي في نفعه ، وكذا الكلام في تسخير الشمس والقمر والنجوم ، فإنها تجرى على نمط متحد يستدل بها العباد على مقادير الأوقات ، ويهتدون بها ويعرفون أجزاء الزمان ، ومعنى مسخرات مذللات . وقرأ ابن عامر وأهل الشام ( والشمس والقمر والنجوم مسخرات ) بالرفع على الابتداء والخبر . وقرأ الباقون بالنصب عطفا على الليل والنهار . وقرأ حفص عن عاصم برفع النجوم على أنه مبتدأ وخبره مسخرات ( بأمره ) وعلى قراءة النصب في مسخرات يكون حالا مؤكدة . لأن التسخير قد فهم من قوله " وسخر " ، وقرأ حفص في رواية برفع مسخرات مع نصب ما قبله على أنه خبر مبتدأ محذوف : أي هي مسخرات ( إن في ذلك ) التسخير ( لآيات لقوم يعقلون ) أي يعملون عقولهم في هذه الآثار الدالة على وجود الصانع وتفرده وعدم وجود شريك له ، وذكر الآيات لأن الآثار العلوية أظهر دلالة على القدرة الباهرة ، وأبين شهادة للكبرياء والعظمة ، وجمعها ليطابق قوله مسخرات ، وقيل : إن وجه الجمع هو أن كلا من تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم آية في نفسها بخلاف ما تقدم من الإنبات فإنه آية واحدة ، ولا يخلو كل هذا عن تكلف ، والأولى أن يقال : إن هذه المواضع الثلاثة التي أفرد الآية في بعضها وجمعها في بعضها كل واحد منها يصلح للجمع باعتبار وللإفراد باعتبار ، فلم يجرها على طريقة واحدة افتنانا وتنبيها على جواز الأمرين وحسن كل واحد منهما ( وما ذرأ لكم في الأرض ) أي خلق : يقال ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءا : خلقهم . فهو ذارئ ، ومنه الذرية ، وهى نسل الثقلين ، وقد تقدم تحقيق هذا ، وهو معطوف على النجوم رفعا ونصبا : أي وسخر لكم ما ذرأ في الأرض . فالمعنى : أنه سبحانه سخر لهم تلك المخلوقات السماوية والمخلوقات الأرضية ، وانتصاب مختلفا ألوانه على الحال ، وألوانه : هيئاته ومناظره ، فإن ذرء هذه الأشياء على اختلاف الألوان والأشكال مع تساوى الكل في الطبيعة الجسمية آية عظيمة دالة على وجود الصانع سبحانه وتفرده ( إن في ذلك ) التسخير لهذه الأمور ( لآية ) واضحة ( لقوم يذكرون ) فإن من تذكر اعتبر ، ومن اعتبر استدل على المطلوب ، قيل وإنما خص المقام الأول بالتفكر لإمكان إيراد الشبهة المذكورة ، وخص المقام الثاني بالعقل لذكره بعد إماطة الشبهة وإراحة العلة ، فمن لم يعترف بعدها بالوحدانية فلا عقل له ، وخص المقام الثالث بالتذكر لمزيد الدلالة ، فمن شك بعد ذلك فلا حس له ، وفى هذا من التكلف ما لا يخفى . والأولى أن يقال هنا كما قلنا فيما تقدم في إفراد الآية في البعض وجمعها في البعض الآخر ، وبيانه أن كلا من هذه المواضع الثلاثة يصلح لذكر التفكر ولذكر التعقل ولذكر التذكر لاعتبارات